ابن حمدون
320
التذكرة الحمدونية
للنظر إليه . فخرجت في من خرج ، فازدحم الناس على بعض الطريق زحمة شديدة ، وكانت دابّتي صعبة ، فسقطت عنها ، وغشيني الناس ، فمكثت دهرا عليلا ، وها هو ذا اليوم يقبّل رأس كاتبي ؛ فأحمد اللَّه على نعمته وحسن إدالته . « 629 » - قيل : إن المنصور لما كان مستترا بالأهواز نزل على بعض الدهاقين فاستتر عنده ، فأكرمه الدّهقان بجميع ما يقدر عليه حتى أخدمه ابنته ، وكانت في غاية الجمال . فقال أبو جعفر : لست أستحلّ استخدامها والخلوة بها وهي جارية حرّة ، فزوّجه إياها ، فعلقت منه . وأراد أبو جعفر الخروج إلى البصرة فودّعهم ، ودفع إلى الجارية قميصه وخاتمه ، وقال : إن ولدت فاحتفظي بولدك ، فمتى سمعت أنه قام في الناس رجل يقال له عبد اللَّه بن محمد يكنى أبا جعفر فصيري إليه بولدك وبهذا الخاتم والقميص ، فإنه يعرف حقّك ويحسن الصنيع إليك . وفارقهم فولدت ابنا ونشأ الغلام وترعرع ، وكان يلعب مع أقرانه . وملك أبو جعفر ، فعيّره أقرانه بأنّه لا يعرف له أب . فدخل إلى أمّه حزينا كئيبا ، فسألته عن حاله ، فذكر لها ما قال أقرانه ، فقالت : بلى واللَّه ، إنّ لك أبا فوق الناس كلَّهم ؛ قال لها : ومن هو ؟ قالت : القائم بالملك . قال : هذا أبي وأنا على هذه الحال ؟ هل من شيء يعرفني به ؟ فأخرجت القميص والخاتم . وشخص الفتى فصار إلى الرّبيع فقال له : نصيحة ! قال : هاتها ! قال : لا أقولها إلا لأمير المؤمنين . فأعلم المنصور الخبر ، فأدخله إليه ، فقال : هات نصيحتك . قال : أخلني ، فنحّى من كان عنده وبقي الربيع . فقال : هات ، قال : أويتنحّى ، فنحّاه ، وقال : هات . قال : أنا ابنك . قال : وما علامة ذلك ؟ فأخرج القميص والخاتم ، فعرفهما المنصور . قال : وما منعك أن تقول هذا ظاهرا ؟ قال : خفت أن تجحد فيكون سبّة آخر الدهر . فضمّه إليه وقبّله ، وقال : أنت الآن ابني حقا . ودعا المورياني فقال : يكون هذا عندك ، [ ما ] تفعله بولد لو كان لي عندك
--> « 629 » انظر وفيات الأعيان 2 : 411 - 414 .